عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
123
اللباب في علوم الكتاب
دوامهم فيه ؛ وقوله : وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ [ المائدة : 21 ] صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس ، وأيضا فإنه - تعالى - بعد الأمر بدخول الأرض المقدّسة ، قال : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ [ المائدة : 26 ] . فلما بيّن تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدّة ، فعند زوال تلك المدّة يجب أن يلزمهم دخولها ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها . فإن قيل : هذه الوجوه ضعيفة . أما الأول : فلأن قوله : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [ المائدة : 21 ] أمر ندب فلعلّهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة ، مع أنهم ما منعوا من دخول مصر ، وأما قوله : كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فذلك يدل على دوام تلك الأرض المقدسة . وأما قوله : وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فلا نسلّم أنّ معناه : ولا ترجعوا إلى مصر ، بل يحتمل أن يكون معناه : ولا تعصوا فيما أمرتكم ؛ لأن العرب تقول لمن عصى الأمر : ارتدّ على عقبه ، فالمراد من هذا العصيان كونهم أنكروا أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى . ويحتمل أن يكون ذلك النهي مخصوصا بوقت معين . والجواب : أنه ثبت في الأصول أن ظاهر الأمر للوجوب ، وإن سلّمنا أنه للندب ، ولكن الإذن في تركه يكون إذنا في ترك المندوب ، وهو لا يليق بالأنبياء . وأما قوله : لا نسلّم أن المراد من قوله : « وَلا تَرْتَدُّوا » : ولا ترجعوا . قلنا : الدليل عليه أن أمره بدخول الأرض المقدّسة ، ثم قوله بعده : وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ يتبادر إلى الفهم أن النهي يرجع إلى ما تعلّق به ذلك الأمر . وقوله : « تخصيص النهي بوقت معين » . قلنا : التخصيص خلاف الظاهر . قال أبو مسلم الأصفهاني : يجوز أن يكون المراد « مصر فرعون » لوجهين : الأول : من قرأ « 1 » « مصر » بغير تنوين كان علما للبلد المعيّن ، وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سواها ، فحمل اللفظ عليه ، ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علما ، وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى . ومن قرأه منونا فإما أن تجعله اسم علم ، وتقول : إنما نون لسكون وسطه ، فيكون القريب أيضا ما تقدم ، وإن جعلناه اسم جنس فقوله : اهْبِطُوا مِصْراً يقتضي التخيير ، كما إذا قال : أعتق رقبة .
--> ( 1 ) سبق تخريج هذه القراءة .